مولد صوت الكلمة
«العاقر ولدت سبعة والكثيرة البنين ذبلَت» (1صم 2:5)
نشوة الطرب، معبّقة بعبير الإيمان والشكران، ومكللة بالانتصار على العار، اهتزّت لها جوارح امرأةٍ بارةٍ هي حنة العاقر أم صموئيل النبي، حين افتقدها الله وظفرت بمنيتها بأثمارها بعد عقمها وجدبها المديد، نتيجة سكبها نفسها أمام الله بصلواتٍ طويلةٍ وتهجداتٍ خشوعيّةٍ، حتى ظنها عالي الكاهن سكرى، في حين أنّها كانت مرّة النفس ازاء عار عقمها ليس إلاّ. وبعد بضع مئاتٍ من السنين نرى امرأةً بارةً أخرى تترنّح من مثل هذه النشوة، ألا وهي اليصابات أم يوحنا المعمدان.
ذلك أنّها حين شعرت بالحبل انبسطت أسارير وجهها ورددت أنشودة حنة وقالت: «ليصرف عني العار بين الناس»(لوقا 1:25). بيد أنّ فرحها كان ممزوجاً بشيءٍ من الترح لاعتقال لسان شريكها زكريا الكاهن، وهي تجهل كل شيء عن البشرى التي حملها إليه جبرائيل الملاك بزوال عقرها وبحكمه عليه بالصمت حتى تتحقق البشرى الّتي ارتاب فيها. وكانت الثمرتان شهيتين نادرتين. فقد أنجبت الأولى صموئيل الذي اختاره الله له نبياً ليبلّغ إرادته إلى شعبه. وولدت الثانية يوحنا المعمدان الذي اصطفاه تعالى ليكون صوتاً لكلمته. وحيث أنّنا نحتفل اليوم بمولد الثاني يجدر بنا أنْ نخصّ بكلمة، النعمة التـي حباه الله بها والرسـالة التي حمّله إيّاها:
يحدّثنا مار بولس الرسول عن تفاوت المجد ما بين نجم وآخر فيقول: «مجد الشمس نوع ومجد القمر نوعٌ آخر، لأنّ نجماً يمتاز عن نجم في المجد»(1كورنثوس 15:41). وكما يمتاز نجم عن نجم في المجد، كذلك يمتاز قدّيسٌ عن آخر في المجد كقول السيد المسيح:«إنّ في بيت أبي منازل كثيرة»(يوحنا 14:2). وعلى هذا النمط إذا كان قديسي العهد القديم نجوماً لامعة، فيوحنا المعمدان يمتاز عن جميعهم لمعاناً. ولذلك سمّاه آباء الكنيسة «نجمة الصبح» التي تسبق شروق الشمس بمدة يسيرة، إذ سبق شروق المسيح شمس البرّ بمدة يسيرة، منادياً بدنو وقت شروقه، صارخاً في البرية قائلاً:«أعدّوا طريق الرب واجعلوا سبله قويمة»(لوقا3 :4).
قال القديس يوحنا ذهبي الفم: «كثيرة هي النجوم في الرقيع وواحد فقط جُعِل كاروزاً لشروق الشمس. كذلك وُجِدَ أنبياء كثيرون في العالم، إلاّ أنّ يوحنا المعمدان وحده كرز قائلاً: هوذا المسيح منير الخلائق آتٍ». نجمة الصبح تخدم بين الليل والنهار، ويوحنا كرز بين الشعب(اليهودي) والأمم. نجمة الصبح ماسكة بعقب القمر وبدء الشمس، ويوحنا ماسك بعقب الناموس وبدء الإنجيل. نجمة النور توقظ الأعين النائمة لتبادر إلى شروق الشمس، ويوحنا أعدّ أنفساً مفتقرة إلى غنى المسيح. نجمة الصبح تبشّر قائلة: هوذا ورائي هي الشمس مصباح العالم، ويوحنا يصرخ«هوذا سيأتي بعدي نور الأمم». نجمة الصبح تصرخ بضيائها بأنّها ليست الشمس لكنّها رسول أمامها، ويوحنا يصرخ قائلاً:«لستُ أنا المسيح لكني مرسَل أمامه». عند شروق الشمس تختفي نجمة الصبح، وعند ظهور المسـيح صرخ يوحنا قائلاً: «ولـه ينبغي أن ينمو ولي أنْ أنقص» (يوحنا3 :30).
أجل إنّ يوحنا المعمدان يمتاز عن جميع الأنبياء والأولياء الذين سبقوه، إذ حظي بما لم يحظَ به أحد منهم. فمن تاقت إلى رؤيته عيون أولئك ولو لحظة واحدة، وضع هو يده على رأسـه وعمّده، وسهّل طريقه وفقاً لنبوءة أبيه عنه قائلاً: «وأنت أيّها الصبي نبيّ العلي تدعى لأنّكَ تسبق أمام وجه الرب لتعدَّ طرقه» (لوقا1 :76). فاستحقّ من ثمّ شهادة خاتمة الأنبياء في حقّه قائلاً: «الحقّ أقول لكم إنّه لم يقم في مواليد النساء أعظم من يوحنا المعمدان» (متى11 :11). ولا بدع فقد اصطفاه ربه قبل أنْ يكوّن جنيناً وملأه من الروح القدس وهو في بطن أمه طبقاً لقول الملاك (لوقا1 :15). وكان ينمو ويتقوّى بالروح (لوقا1 :80)، وقد رافقته العناية العلوية في كل طور من أطوار حياته، فصار مثالاً حياً للتواضع يأبى إلاّ المجاهرة بالحق. لا يهاب صولة التيجان ولا يرهب وعيد ذوي السلطان، تمسكاً منه بأذيال الحق ليس إلاّ.
وبمولد يوحنا المعمدان تحققت بشرى الملاك، وبختانه في اليوم الثامن على ما في ناموس موسى وكتابة أبيه زكريا على لوح«اسمه يوحنا»، انحلّت عقدة لسـان زكريا وفقاً لما قاله الملاك، فتضاعف بذلك الفرح في بيت زكريا.
ولمّا انحل رباط لسانه امتلأ هو الآخر من الروح القدس، وأخذ ينبىء عن الأمور العتيدة، واصفاً حالة ابنه بأنّه سيسبق المخلّص المنتظر ويسهّل طريقه قدّامه بدعوته قومه إلى التوبة وإعداده إيّاهم لاستقبال ابن الله الآتي في قلوبهم، شاكراً الباري الكريم على النعمة الفائقة التي غمره بها، إذ منحه ذرية منه بعدما شاخ وأوشك أنْ يقطع حبل رجائه من ذلك، وعلى أفضاله نحو البشر شأن عبيد الله الأمناء، إذ بعد أنْ هووا في وهدة الهلاك لم يشأ بموتهم خطاة لكنّه انتشلهم منها بابنه الوحيد كي يعودوا إلى وطنهم الدائم الذي فقدوه. وكأنّي به عاين بعين الروح ما كان مزمعاً أنْ يأتيه له المجد تخفيفاً لويلات الإنسان فقال: «وأقام لنا (الله) قرن خلاص في بيت داود فتاه» (لوقا1 :69) مشيراً إلى المواعيد الهامة التي حققها في بيت داود بخروج المسيح من صلبه، متذكراً عهده المقدّس، القسَم الذي حلف لإبراهيم بقوله له: «ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض» (تكوين22 :18). وما نسله هذا سوى المسيح كتفسير الرسول مار بولس (غلاطية3 :16). أجل، المسيح الذي نجّانا من أيدي أعدائنا إبليس والخطية والموت، وأضاء لنا نحن الذين كنّا تائهين وهائمين على وجوهنا في طول الأرض وعرضها، وجالسين في الظلمة وظلال الموت، وأرشد أقدامنا إلى سبل السلامة كقول زكريا (لوقا1 :67-79)، وذلك حبّاً بتجديد صورته القدسيّة فينا ليس إلاّ، كي نعبده لا بذبائح العجماوات الصماء بل بالروح والحق (يوحنا4 :23)، وبالسيرة المحمودة الخالصة من كل شائبة والشبيهة بسيرة الملائكة. لأنّه هدانا محجة الصواب واعداً إيّانا بالأجر والثواب والنجاة من النار والعذاب، إذا نحن آمنا به قلباً وقالباً وقدّمنا له نفوسنا مسـكناً نقياً طيباً.
ففرح جيرانهم وأقاربهم بل اعترتهم دهشة عظيمة وحلّ عليهم خوف مما رأوا وسمعوا، كما تُحدِّث بهذه الأمور كلها في جميع جبال اليهودية، حتى أخذ كل من يسـمع يقول: «ما عسـى أنْ يكون هذا الصبي» (لوقا1 :58-79). إنّ دهشة الجيران والأقارب بل كل من سمع بهذا الحدث التاريخي العجيب، وقولهم: «ما عسى يكون هذا الصبي»، ليدلاّن دلالة واضحة على بِرِّ أبوّي يوحنا أمام الله وسيرهما في جميع وصايا الرب وأحكامه بغير لوم كما ذكر الإنجيلي لوقا (لوقا1 :6)، وعلى عكفهما على عبادته تعالى بالصوم والصلاة. أجل، ونتيجة لذلك أعطيا هذا الصبي الذي لم يقم أعظم منه في مواليد النساء في العهد القديم كما أسلفنا، والذي ربّياه التربية الحسنة.
يشتهي المقترنون بالزواج ولاسيما العواقر منهم أنْ تقرّ عيونهم برؤية ذريّة منهم. وعلى هذا الأمل يرفع الكثيرون منهم إلى الله صلوات وأدعية خشوعيّة ليمنّ عزَّ شأنه عليهم بهذه النعمة، بل يزورون الأماكن المقدّسة وأضرحة القديسين وينذرون النذور علّهم يحظون بمنيتهم. ولكن سرعان ما يقطعون حبل رجائهم وينقطعون عن مواصلة الصلاة إذا لم يستجابوا للحال، دون أنْ يدركوا أحكام الله غير المدركة. أو ‘ذا استجيبت طلبتهم، يهملون تربية أولادهم التربية الصالحة، حتى ليضحوا وبالاً عليهم فيتمنون من صميم القلب زوالهم.
بيد أنّ يوحنا المعمدان يلقّن مثل هؤلاء دروساً بليغة. إذ كان أبواه يواصلان الصلاة إلى الله على هذا الأمل حتى شيخوختهما كما يتضح من قول الملاك لزكريا «لا تخف يا زكريا فإنّ طلبتك قد استجيبت وامرأتك اليصابات ستلد ابناً فتسميه يوحنا» (لوقا1 :13) أي أنّه لم يقطع حبل رجائه من إنجاب نسل ولو في شيخوخته. ولما وُلِدَ يوحنا اهتمّ زكريا و اليصابات بتربيته التربية الصالحة حتى أضحى عند ظنّ الذين قالوا: «ما عسى أنْ يكون هذا الصبي». وهذا ما يجب أنْ نفعله نحن أيضاً ليقال عن أولادنا ما قيل عن يوحنا.
وإذا ما احتفلنا بعيد مولد صوت الكلمة مار يوحنا المعمدان, فلنطوبنّه لفوزه بالمجد, مقتدين بفضائله لنستحقّ أنْ نشترك في الأجر معه, فيشفع فينا هو أيضاً بدوره أمام منبر المسيح كي يعيننا على عمل الصلاح ونبذ الطلاح, وينجينا من طوارق الليل وجوارح النهار, ويثبّت خطواتنا في سبل البر لئلا تزلّ فتقع في فخاخ إبليس عدوّنا الألد, ويؤهلنا في الآخرة إلى ولوج خدره السماوي صحبة إشبينه يوحنا وسائر الأبرار والصالحين. ما تشتهيه القلوب وتتوق إليه النفوس وتقرّ برؤيته العيون.
من كتابات الحبر الجليل المثلث الرحمات
مار اغناطيوس يعقوب الثالث
العنوان: مولد صوت الكلمة
صفحة 1 من 1
أنت لا تستطيع كتابة مواضيع جديدةأنت لا تستطيع الرد على المواضيع
أنت لا تستطيع تعديل مواضيعك
أنت لا تستطيع حذف مواضيعك
أنت لا تستطيع التصويت في الاستفتاءات
أنت لا تستطيع إرفاق ملفات
أنت لا تستطيع تنزيل ملفات
أنت لا تستطيع إضافة مناسبة أو حدث هام
هذه نسخة مخففة عن محتويات موقعنا الرئيسي . لمشاهدة نسخة كاملة للموقع , الصور والتنسيقات الأخرى, الرجاء اضغط هنا.
Powered by Icy Phoenix based on phpBB
Design by DiDiDaDo
زمن إنشاء الصفحة: 1.5s (PHP: 84% SQL: 16%)
استعلامات إس كيو إل: 14 - التصحيح نشط - GZIP فعال